توقير الله وتعظيمه أصل الرسالات ومنهج النجاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

المحطة الأولى: توقير الله في أول الرسالات وآخرها

منذ أول رسالة في تاريخ البشرية، رسالة نبي الله نوح عليه السلام، كان أصل الدعوة هو تعظيم الله وتوقيره.

قال الله تعالى:

﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾
(سورة نوح: 13)

أي: ما بالكم لا تعظمون الله حق تعظيمه، ولا تهابون جلاله، ولا تعرفون له قدره؟

وهذا توبيخ لقوم نوح الذين لم يوقروا الخالق العظيم، رغم أنه خلقهم أطوارًا: من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم سواهم خلقًا كاملاً. ومع وضوح هذه الدلائل، كفروا بالله وأصرّوا على الضلال.

فالآية دعوة صريحة إلى توقير الله سبحانه وتعالى وتعظيمه.

ثم نجد هذا المعنى نفسه حاضرًا في آخر رسالة للبشرية، الرسالة المحمدية (القرآن والسنة).

قال الله تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
(سورة الزمر: 67)

أي: ما عظّم المشركون الله حق تعظيمه، إذ جعلوا له شركاء من مخلوقات ضعيفة ناقصة، مع أن الله هو الخالق القوي العزيز، الذي يقبض السماوات والأرض بيمينه يوم القيامة.

وهذا يبيّن التناقض الفاضح بين عظمة الخالق وضآلة المعبودات الباطلة، ويؤكد وجوب إفراد الله بالعبادة.

قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾
(الأعراف: 194)

أي: أن من يُعبد من دون الله ليسوا إلا عبادًا مملوكين مثلكم، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن غيرهم.

وقال سبحانه:

﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۝ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾
(النحل: 20–21)

ثم أكد سبحانه: ﴿إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾

فضح الافتراء على الله والتحذير من عاقبته

لقد فضح الله افتراءات المشركين، وبيّن سوء عاقبة من يكذب عليه، ومن يرضى بذلك أو يسكت عن الحق.

قال تعالى:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ﴾
(النحل: 116)

وقال سبحانه:

﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾
(الكهف: 4–5)

وقال جل وعلا:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾
(العنكبوت: 68، الزمر: 32، الزمر: 60، الصف: 7)

وكلها آيات تُجمع على أن الافتراء على الله من أعظم الظلم، وأن مصيره الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة.

المحطة الثانية: البراءة من الشرك وأهله

قال الله تعالى:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾
(سورة الكافرون)

وهذه الآية ليست إقرارًا ولا رضا بدين الكفار، بل هي إعلان براءةٍ صريح من الشرك وأهله.

ولهذا قال النبي ﷺ:

«إن هذه السورة براءة من الشرك»

وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال:

«ما أحدٌ أصبر على أذى سمعه من الله؛ يجعلون له ولدًا وشريكًا، وهو يعافيهم ويرزقهم»

ولهذا قال معاذ بن جبل رضي الله عنه:

«لا ترحموا من جعل لله ولدًا؛ فقد سبّوا الله سبًّا ما سبه إياه أحد من البشر».

التحذير من الإعانة على الظلم

قال الله تعالى:

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾
(الصافات: 22)

أي: يُجمع الظالمون مع أشباههم وأعوانهم وقرنائهم، لا الزوجات فقط.

قال ابن عباس وابن تيمية: يدخل في ذلك كل من أعانهم، ولو بغسل ثيابهم أو بري قلمٍ لهم.

ومن ذلك ما رُوي عن الإمام أحمد رحمه الله حين سأله السجّان:

«أأنا من أعوان الظلمة؟»

فقال:

«بل أنت من الظلمة أنفسهم، وأما من يخدمهم فهو من أعوانهم».

وهذا تحذير شديد من المشاركة في الظلم بأي صورة.

المحطة الثالثة: النجاة بالتمسك بالسنة

قال النبي ﷺ:

«لتتبعن سنن من كان قبلكم…»
(متفق عليه)

وقال ﷺ:

«افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة… وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»
قيل: من هي؟
قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»

وهم أهل السنة والجماعة.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾
(آل عمران: 106)

قال:

«تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والضلالة».

خاتمة: توحيد الله أساس النجاة

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾
(آل عمران: 59)

فالخلق العجيب دليل على قدرة الله، لا على ألوهية المخلوق.

وقال سبحانه:

﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾
(مريم: 88–95)

وثبت عن النبي ﷺ:

«ليس أحد أحب إليه المدح من الله… وليس أحد أغير من الله… وليس أحد أحب إليه العذر من الله»
(متفق عليه)

فالتوحيد، وتعظيم الله، والبراءة من الشرك وأهله، والتمسك بالسنة، هي سبيل النجاة في الدنيا والآخرة.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. وعلى آله وصحبه أجمعين.

والحمد لله رب العالمين.